السيد علي صدر الدين المدني ( ابن معصوم )
45
رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب )
فلما علم الشريف بركات بذلك سار إلى مكة المشرفة فدخلها منتصف شعبان من السنة المذكورة ، ففرّ منه الشريف أحمد جازان ، واستقرّ بها الشريف بركات ، ولم يقم له أحمد ، وأخبر بما كان من القاضي فلم يكد يصدّق به . ثم دخل عليه القاضي فأظهر غاية الفرح والسرور بقدومه ، وأمره بتفريق جنده وقال له : لا حاجة لك إلى هؤلاء فإنّما هم كثرة نفقة ، ففرّقهم . فلما فعل ذلك كتب القاضي إلى الشريف أحمد يستقدمه ، ويخبره بما تمّ له من المكيدة ، ووعده بالقبض على أخيه إذا هو وصل مكة في الحرم الشريف من غير مشقّة ولا كلفة ، ويقال أنّ بعض خواص الشريف فعل ذلك مكيدة للقاضي فاستدرجه ، وظنّ القاضي صداقته ، ثم أخذ الكتاب منه ودفعه إلى الشريف بركات . فلما وقف عليه أرسل إلى القاضي المذكور وأوقفه على الكتاب فأنكره ، وقد سبقت له ضغائن في قلبه ، فأمر بالقبض عليه ، واستصفى أمواله وسجنه عنده في بيته ، وقيّده وغلّه ، وعصر عليه بالعصّارات ، وصادر ولده وأخاه سيد الناس في خمسة آلاف دينار وأطلقهما على ذلك . فبيعت ذخائرهم وكتبهم النفيسة ، وانكسرت شوكتهم من ذلك اليوم ، ولم تبق لهم باقية ، وكانوا في عظمة لا يقوم بها الوصف . ثم أرسل الشريف بالقاضي أبي السعود إلى القنفذة فسجنه بها وعياله وخاصته - وكلّ أحد يغضب عليه والي مكة ينفيه إلى القنفذة - ولم يزل مسجونا بها إلى يوم الأحد ثاني ذي الحجة الحرام « 1 » فجاء أمر الشريف إلى والي القنفذة بتغريق القاضي وأن لا يراجعه في ذلك . فأخرجه إلى البحر في زورق وغرّقه فيه ، وأولاده وعياله ينظرون إليه . فنسأل اللّه العافية . ولم يبق الآن من بني ظهيرة إلّا الشاذ النادر ، وكان لهم بمكة قبل أن يوقع الشريف بالقاضي المذكور من الأمر والنهي ما لا يقصر عن ملوكها ، حتى أنّ بنتا للقاضي المذكور قالت له : يا أبتي لم لا يعرض عليك العسكر كما يعرض على الشريف ، لما رأت ما هم عليه من الشوكة والمنزلة .
--> ( 1 ) في ك ، وأ ( ذي القعدة ) ، وفي البدر الطالع ( حادي عشر ذي الحجة ) .